السيد كمال الحيدري
121
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
زيد مع أنّه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعل الله بالحقيقة ، فلا حكم إلّا لله ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم ، يعنى كلّ حول فهو حوله ، وكلّ قوّة فهي قوّته ، فهو مع غاية عظمته وعلوّه ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها ، كما أنّه مع غاية تجرّده وتقدّسه لا يخلو منه أرض ولا سماء ، كما في قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ « 1 » . فإذا تحقّق هذا المقام ظهر أنّ نسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيح كنسبة الوجود والسمع والبصر وسائر الحواسّ وصفاتها وأفعالها وانفعالاتها من الوجه الذي بعينه يُنسب إليه . فكما أنّ وجود زيد بعينه أمر متحقّق في الواقع ، منسوب إلى زيد بالحقيقة لا بالمجاز وهو مع ذلك شأن من شؤون الحقّ الأوّل فكذلك علمه وإرادته وحركته وسكونه وجميع ما يصدر عنه منسوب إليه بالحقيقة لا بالمجاز والكذب . فالإنسان فاعل لما يصدر عنه ، ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحقّ ، على الوجه الأعلى الأشرف اللائق بأحدية ذاته بلا شوب انفعال ونقص وتشبيه ومخالطة بالأجسام والأرجاس والأنجاس » « 2 » . ما يريده الشيرازي من هذا النصّ هو أنّ للفعل نسبتين حقيقيّتين كلتاهما مباشرة ، لا أنّ إحداهما مباشرة والأخرى بالتسبيب ؛ وفاقاً لنظرية الفاعل القريب والفاعل البعيد التي عكستها القراءة الأولى . وفق هذا التصوير تغدو كلا النسبتين حقيقيّتين وقريبتين وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ من دون واسطة . عند هذه النقطة يعقّب الطباطبائي على هذا التصوير الجديد للنظرية بقوله : « وعلى الثاني ( المذهب الثاني بحسب التعبير الشيرازي ) للفعل استناد إليه تعالى من غير واسطة ، من جهة إحاطته به في مقامه ، كما أنّ له استناداً إلى فاعله الممكن . ولا
--> ( 1 ) الحديد : 4 . ( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق ، ص 374 373 .